محمود بن حمزة الكرماني

14

اسرار التكرار في القرآن

فهل كان إحساس الوليد هذا نابعا من عظمة التشريع أو من جودة التشبيه أو نضرة الاستعارة ؟ لم يكن شئ من هذا هو مصدر إعجاب العرب ممثلا في الوليد ، بل هو الذوق الذي لا ينتشى إلّا من مراعاة الملابسات والكيفيات والاعتبارات التي سنتحدث عنها عند الحديث عن كتاب البرهان أو أسرار التكرار في القرآن « كما أطلقنا عليه » . على أن هذا الباب ليس هو الباب الوحيد الذي يلوح منه إعجاز القرآن ، فهناك إعجاز الترتيب الذي يجده القارئ مفصلا إن شاء اللّه في الدراسة المقدمة لكتاب « أسرار ترتيب القرآن » للسيوطي ، وهناك إعجاز العقول البشرية كلها في تاريخها الغابر واللاحق بصلاحية القرآن وحده للقيادة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في جميع البيئات ، وضلال الفكر الإنسانى المجرد في هذا الصدد ، وهناك إعجاز القرآن من حيث هو الفطرة التي لا تتبدل ، والتي يقاس بها الفكر البشرى للتعرف على الخطأ والصواب ، إلى غير ذلك من نواحي الإعجاز التي يصعب حصرها في هذه العجالة . وإذا تفجرت القوة من مظنة الضعف كان ذلك أدخل في باب الإعجاز ، وأعلى كعبا في باب البلاغة والتحدي ، ولا نعلم مظنة للضعف أظهر من التكرار وهو الباب الذي حاوله الكرماني تاج القراء في « كتابه البرهان » فأجاد بحق وأفاد . أقول : إن العصر بحمد اللّه عصر قد أقبل فيه الإيمان وأدبرت فلول إلحاد كانت قد تسللت كما تتسلل الجرذان بين الخرائب وأكداس القمامة لا يحلو لها إلّا أن تسكن العفن من العقول وتستمكن إلّا من دنس الطباع ، وقد أراد اللّه تعالى أن يتفجر نور الإيمان من جديد في أرجاء أرض الإسلام ، ولكن